عبد الملك الجويني

422

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجهاد بإذن الأبوين ، وإذنِ صاحبِ الدَّيْن ، ثم رجع صاحبُ الدين ، أو رجع الأبوان ، وبلغ الخارج خبر الرجوع ، نُظر : فإن بلغه خبر الرجوع عن الإذن قبل التقاء الزحفين ، وتقابل الصفين ، وكان الرجوع والانقلاب ممكناً ، فحقٌّ عليه أن يرجع ؛ فإن الجريان على حكم الإذن ليس محتوماً ، والآذِن بالخيار : إن شاء أن يستمرّ على إذنه ، استمرّ عليه ، وإن أراد أن يرجع ، كان له أن يرجع عن إذنه ، وإذا رجع عن الإذن ، وتمكن المأذون له من الرجوع ، لزمه الرجوع . وإن بلغه خبر الرجوع عن الإذن ، وقد التقى الزحفان ، نظر : فإن كان رجوعه يُخافُ منه انفلالٌ في الجند ، فيحرم عليه الرجوع ، وإن كان لا يتوقع من رجوعه انخرام وفتنةٌ يرجع أثرها إلى الجند ، ففي جواز الرجوع والحالة هذه وجهان : أحدهما - يجوز الرجوع لجواز الإذن ، ولا ضرر في الرجوع . والثاني - لا يجوز الرجوع ؛ فإنه لابس القتال ووقف [ في الصف ] ( 1 ) ، ولو فتحنا هذا الباب ، لتعدى تجويزُه إلى انفلال الآحاد ، والتعلق بالمعاذير ، ثم يفضي الأمر إلى انخرامٍ يعظم أثر وقعه ، فالوجه حسم هذا الباب بالكلية . ثم اختلف أصحابنا في صيغة الوجهين ، فقال قائلون : الوجهان في جواز الرجوع ، وقال آخرون : الوجهان في وجوب الرجوع . وينتظم من الوجهين والتردد في صيغتهما ثلاثة أوجه : أحدها - يجب الرجوع ؛ لانقطاع الإذن ، وبلوغ الخبر به . والثاني - لا يجوز الرجوع ، وتجب المصابرة . والثالث - أنه يجوز الرجوع ، ويجوز المصابرة لتقابل ملابسته القتال وانقطاع الإذن ، فقد تعارض نقيضان ، فيسقط أثرهما جميعاً ، وتبقى الخِيَرةُ بعدهما ، وهذا الوجه اختاره القاضي . ولو أنشأ السفر نحو الجهاد ، وأبواه كافران ، فأسلما ، أو حدث له دَيْنٌ ، فهذا في حكم الطوارئ ، فيلتحق الترتيب في الرجوع بما ذكرناه من رجوع الأبوين ، والصورة مفروضة فيه إذا لم يأذن الأبوان بعد الإسلام في الجهاد ، ولم يأذن صاحب الدَّين الجديد .

--> ( 1 ) زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها .